Sábado, 24 Agosto 2019

سي محمد أمقران العوفي

هو سي محمد أمقران، بن سي محمد بن سي الطاهر بن سي الطاهر، جد العوفيين التغزوتيين. ولد حوالي عام 1287 هـ، موافق سنة  1870م، بقرية وردانة (إوضنن)، بقبيلة بني وليشك، التابعة حاليا لإقليم الدريوش (شمال المغرب). من أعيان القبيلة، ومن رجال العلم ذوي الاطلاع الواسع.. لم يكن يبخل عن الناس بما أوتي من علم نافع وفقه نير.. قليل الكلام، لا يتكلم إلا ليفيد.. ذو طبع يفيض طيبوبة وتقوى وورعا وكرما وحب الخير للآخرين.. متواضع يشارك الناس في همومهم، ولا يتردد في تقديم العون والمساعدة للمحتاجين، وإزجاء النصيحة للسائلين، يحظى بكثير من الاحترام والتقدير.. فكان منزله قبلة يقصده الكثيرون من الناس.

امتهن مهنة القضاء، والتدريس، والإفتاء في أمور الدين، فكان قاضيا عادلا، حريصا على تطبيق أحكام الشرع، أبي النفس، قوي الشكيمة، يجهر بقول الحق، ولا يخشى في ذلك غضبة غاضب.. كما كان يعتبر احتلال المغرب من طرف الدول الاستعمارية (إسبانيا وفرنسا)، عملا غير شرعي، مما جعل السلطات الاسبانية والموالين لها يتوجسون منه ويناصبونه العداء...

موطنه

عاش سي محمد أمقران بقريتين اثنتين، كلاهما تابعتان لقبيلة بني وليشك، هي قرية وردانة (إوَضَنَنْ)، مسقط رأسه، وفيها قضى معظم حياته. 

أما القرية الثانية، فهي تَـغْـزوتْ، انتقل إليها في أوائل القرن العشرين، حيث شيد هنالك منزلا خاصا به، استقر فيه وأسرته، في حين بقي أشقاؤه الآخرون بمنزل أبيهم بوردانة.  (انظر موطن آل العوفي، في صفحة 35وما يتبعها).

أسرته

تزوج بفاطمة ثشبذانت (الكبداني)، التي تنحدر من قبيلة كَبْدانة التابعة لإقليم الناظور، قريبة الحاج محند أومحمد، الساكن بدوره بقرية تغزوت. عاشا طوال حياتهما زوجين سعيدين، لم يفكر قط في أن يشرك معها زوجة أخرى، إذ رغم أنها قد توفيت قبله بعدة سنوات، فقد ظل وفيا لها إلى أن لحق بها. وكانت سيدة فاضلة، أنجبت تسعة أبناء، ستة ذكور وثلاث إناث.

وفي غياب وجود دفتر الحالة المدنية آنذاك، فإن سي محمد أمقران كان حريصا على تسجيل تواريخ ولادة أبنائه في كناش خاص؛ واعتمادا عليه، فإن أبناءه يأتون، من اليمين إلى اليسار، وفق الصورة جنبه، نزولا، يسارا، وصعودا.

حكاية دعاء شيخ الطريقة الدرقاوية "لَهْلا يْخَطّي العِلْم هذه الدار"

ومما يحكى، أن أحد شيوخ الطريقة الدرقاوية بوردانة، قصد ذات يوم، وبعض مريديه، بعض منازل القرية، ولكن لم يهتم بهم أحد، ولم يرحب بهم أي واحد من أصحاب تلك المنازل، فتوجهوا إلى منزل العوفيين بذات القرية، وحينما طرقوا الباب مهللين كعادتهم "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، خرج إليهم القاضي نفسه مهرولا، حافي القدمين، للترحيب بهم؛ وأمسك بلجام الحصان الذي كان يركب عليه الشيخ، طالبا منه النزول والدخول إلى البيت، هو ومريدوه، كضيوف مكرمين. وكان الأمر كذلك... وبعدما تم إكرامهم، وهموا بمغادرة المنزل، أجزل الشيخ الشكر للقاضي، داعيا له "لَهْلا يْخَطّي العِلْم هذه الدار". وقد انتشرت هذه الحكاية في المنطقة كلها، واستمرت تتناقلها الألسن جيلا عن جيل، حتى اعتقد الكثيرون من عامة الناس، أن الله قد استجاب لدعاء الشيخ.. ذلك لأنه فعلا، ما خلت دار من ديار آل العوفي من علم وعلماء، في أي جيل من الأجيال.

عبدالكريم الخطابي يشيد بالعوفيين، ويشهد بأن "إٍعُوفِيَّنْ ذَطُّووورْبَة"

كان من عادة الطلبة المغاربة على العموم، والريفيين على الخصوص، الذين يفدون على القاهرة من أجل الدراسة، أن يزوروا منزل عبدالكريم الخطابي للسلام عليه. وكذلك فعل الأخ علي (ابن الحاج سي محمد العوفي)، عندما انتقل إلى القاهرة، في بداية الستينات من القرن الماضي، لمتابعة دراسته..

إذ حينما قدمه له ابنه إدريس بأنه (علي) ابن القاضي الحاج سي محمد العوفي، من بني وليشك، صهر الشيخ مزيان، بادره بالسؤال: ماذا يقربك القاضي سي محمد أمقران أعوفي؟. أجابه علي: إنه جدي.. فأشاد الخطابي بالعوفيين، ووصفهم بأنهم فقهاء، ومن خيرة طلبة العلم، قائلا بالريفية: "إٍعُوفِيَّنْ ذَطُّووووورْبَة"، متعمدا تمديد حرف الطاء ليؤكد على معنى الكلمة. كما ذكرأيضا اسم الحاج أمزيان، ابن تغزوت،الذي وصفه بالمجاهد..

حرصه على التكافل العائلي والاجتماعي

كان القاضي سي محمد أمقران حريصا على تطبيق مبدأ التكافل الاجتماعي في الإسلام، ومعتادا على تقديم يد المساعد المادية، والمؤازرة الإجتماعية لدفع الضرر عن الناس المعوزين، سواء تعلق الأمر بذوي القربى أو بغيرهم؛ فحينما توفي موح (ابن شقيقه علال)، تاركا طفلة صغيرة (فاطمة)، أخذها إلى بيته متكفلا بها وبكل حاجياتها، فتربت وسط أبنائه وبناته، وبقيت كذلك إلى حين زواجها بمحمد موح أمزيان في تغزوت...

وفي أعوام المجاعة، بالأخص في عام "بوهيوف" (عام الجوع)، لم يكن يبخل عن المتضررين بما تملكه يده من المتاع القليل لتخفيف الضرر عنهم.. وقد تكفل بدفع، لـ "فقيه" مسجد القرية، كل "الشَّرْط" المستَحَق على جميع سكان القرية، أي كل أقساطهم من الحبوب التي كانوا يؤدونها للفقيه في كل سنة..

الهجوم على منزله

حينما اشتد الضغط على المجاهدين، من طرف إسبانيا المدعومة بفرنسا، وبدأوا ينسحبون من مواقعهم، وقبل استسلام عبدالكريم الخطابي، حدث نوع من الفوضى والسيبة، انفلت فيها الزمام، فاستغل ذلك بعض الأفراد من قبيلة بني وليشك، لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، قيل إنهم مسخرون من جهات موالية لسلطات الاحتلال لتصفية حسابات شخصية. فتوجهوا ذات ليلة، في الهزيع الأخير من الليل، إلى منزل القاضي العوفي بوردانة تحت جنح الظلام ، فحاولوا اقتحام المنزل عنوة مستعملين بنادقهم.. فوقع تبادل النيران بينهم وبين من كان متواجدا آنذاك بالمنزل (القاضي، وابنه سي محند، وأحد مساعديه، وبعض النساء).. فكان للمقاومة الشديدة التي أظهرها أهل الدار، وإصابة زعيم العصابة، حينما كان يحاول تسلق الجدار، أثر كبير في إفشال هذا العدوان الغادر، مما جعل المعتدين يطلقون سياقانهم للريح ناجين بجلدهم قبل وصول النجدة..وهكذا نجا القاضي من شر ما دبره له أعداؤه، وذلك مصداقا لقوله تعالى (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

تقديمه الاستقالة من القضاء

خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، عمد الجنرال فرانكو إلى تجنيد سكان مستعمرته من الريف، في حربه ضد الجمهورية الإسبانية، معتمدا في ذلك على الترغيب والترهيب، ومن أجل حث السكان على الانخراط بكثافة في عملية التجنيد، طلبت سلطات الاحتلال من القاضي سي محمد أمقران أن يصدر فتوى يجيز فيها القتال في صفوف فرانكو!! فرفض القاضي ذلك رفضا قاطعا، بل وقرر تقديم استقالته من منصبه كقاض على قبيلة بني وليشك احتجاجا على هذا الطلب، معرضا نفسه معرضا نفسه لعواقب وخيمة.. وبدون أن ينتظر ردود فعل السلطات الإسبانية، قام بتفعيل قراره فورا، وذلك بالامتناع عن الذهاب إلى المحكمة.. لكن السلطات الاستعمارية، أمام موقفه الحازم والصارم،  تجاهلت ما كانت قد طلبته منه، ودعته للعودة إلى عمله..

 

وفاته

في سنواته الأخيرة، عندما اشتد به الوهن، اعتكف بمنزله، في غرفته الخاصة، التي ما تزال تحمل اسمه إلى يومنا هذا (أخم انجدي)، تؤنسه فيها كتبه وكلبه الأثير (عَرَضْ)، الذي كان دائما يلازمه في تلك الغرفة؛ وكثيىرا ما كان أحفاده الصغار تدفعهم الشقاوة إلى استفزاز الكلب، فيصرخ فيهم ويرميهم ببلغته الثقيلة.

وكانت وفاته عام 1369 هـ، موافق 1950 م، عن عمر يناهز حوالي 80 سنة، عاشه مخضرما (في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين). ودفن في مقبرة قرية تغزوت. وفي الصورة (على اليسار) يبدو قبره وقد طاله الإهمال، بدون شاهد قبر، أو أية لوحة تحمل إسم صاحب القبر

 

من ذكرى وفاته

ما تزال عالقة بذهني صورة الجد، سي محمد أمقران، وهو يحتضر ويعاني من سكرات الموت..

كان الوقت ليلا، وكان مسجيا على فراش، هو عبارة عن حصير فوقه بطانيات مطوية على نصفين، في غرفته التي ما تزال تحمل اسمه (أخم نجدي)، محاطا بأبنائه الذكور الأربعة (الأعمام): سي محند، وسي عبدالرحمن، والوالد الحاج سي محمد، وسي عبدالسلام، وبعض الأحفاد... كان عمي سي عبدالسلام جالسا إلى جانبه، يحاول أن يقطر بعض الماء في فمه، ويبلل شفتيه بقطعة من القطن، وكان يلتفت من حين لآخر إلى الجهة التي تقف فيها زوجات الأعمام، فيطلب منهن أن يكففن عن البكاء والندب...

ولكن، ما هي إلا لحظات قليلة، حتى أسلم الجد روحه الطاهرة لخالقها، فانخرط الجميع في بكاء شديد وعويل متواصل... وكنت أسمع عبارة "إروح مسكين" يرددها الجميع بين الشهيق والنحيب.. ولأول مرة، رأيت فيها أبي وأعمامي ينهارون ويذرفون الدموع الغزيرة مثل النساء...

كنا آنذاك (أنا، وأحمد سي عبدالرحمن، ومحمد سي عبدالسلام، وآخرون)، صغارا  لا نعي ما يحدث حولنا، ولا نفهم جيدا معنى الموت، ولكننا كنا نبكي، نحن أيضا، مثل الكبار.. فأمرتنا زوجة عمي سي عبدالسلام، بأن نخرج ونذهب إلى منزل عمي سي عبدالسلام (متصل بمنزل الجد)، لننام فيه سويا...

وفي الصباح الباكر، استيقظنا على أصوات كثيرة ومختلطة، يتخللها بكاء متقطع وندب حار، تشترك فيه كل النساء الحاضرات، وذلك في إيقاع حزين ومؤثر، يستقبلن به كل معزية جديدة تدلف إلى الدار..

وشيئا فشيئا، بدأت الفضاءات المحيطة بالمنزل تمتلئ بجمهور غفير من الرجال الذين أتوا من القرى الأخرى، المجاورة والبعيدة، بعضهم قد تكلف بنصب المجامر لإعداد الشاي، وبعضهم الآخر تطوع لإقامة المجازر والمطابخ لطبخ الطعام للمعزين والمعزيات. وكما جرت العادة في الريف،  فإن أغلبية المعزين قد أحضروا معهم هدايا، هي عبارة عن ثور، أوكبش، أو لحم ذبيحة، أو قوالب من السكر، أو شاي، أو ما شابه ذلك...   

وبعدما انتهت مراسيم الجنازة، ومرت كل طقوس المأتم الذي استغرق زهاء ثلاثة أيام أو أكثر، وانصرف معظم المعزين، بدأنا نسمع شكوى "ثبوجمعات"، الخادمة القيدومة التي ولدت وتربت بنفس المنزل، وعاشت كفرد من الأسرة، والتي كانت تقوم على خدمة المرحوم والعناية به، وخصوصا عندما اشتد به الوهن. كانت ثبوجمعات تشكو وتقول بحسرة: "إن "عَرَضْ" (الكلب الأثير لدى جدي، والذي كان لا يفارقه قط)، يعزف عن الأكل، ولا يدنو منه، بل لا يكلف نفسه حتى النظر إلى ما أقدمه له من الطعام"...

وبعد أيام معدودة، سمعنا أن "عَرَضْ" قد مات حزنا على فراق صاحبه!.. إنه الحب والوفاء، من الحيوان إلى الإنسان!...

 

أبناؤه

عائشة فاظمة، خلفا لشقيقتها المتوفاة صغيرة سي عبالسلام الحاج سي محمد سي عبدالرحمن سي أحمد، خلفا لشقيقه المتوفى صغيرا فاظمة، ماتت صغيرة أحمد، مات صغيرا سي محند

ولدت يوم الثلاثاء، 03 شعبان عام 1343 هـ / 04 يونيو 1916م

ولدت ليلة الإثنين، 13 جمادى الأولى عام 1328 هـ / 23 ماي 1910م

ولد يوم الإثنين، 02 ربيع الثاني عام 1325 هـ / 15 ماي 1907م، وتوفي سنة 1956م

ولد يوم الثلاثاء، 18 محرم عام 1322 هـ / 05 أبريل 1904م،  وتوفي يوم الثلاثاء 10 ذي القعدة عام 1399هـ / 02 أكتوبر سنة 1979م  

ولد يوم الأربعاء، 12 شوال عام 1319 هـ / 22 يناير 1902م، وتوفي سنة 1993

ولد في 19 جمادى الثانية عام 1317 هـ / 24 أكتوبر 1899م، وتوفي يوم 03 محرم عام 1344 هـ / 24 يوليوز 1925م

 ولدت في 29 جمادى الثانية عام 1314هـ/ 05 دسمبر 1896م

ولد في  05 جمادى الأولى عام 1313هـ / 24 أكتوبر 1895م

ولد ليلة الإثنين، فاتح رجب عام 1311 هـ / 09 يناير 1894م وتوفي سنة 1974م

 

إحاطة جغرافية

تغزوت (TAGHZOUT)

تغزوت أو تاغزوت ، وتُنطَق الكلمة بالريفية "ثَـغْـزوثْ"، بالثاء ذي الثلاث نقط على الحرف الأول والأخير؛ إنه اسم أمازيغي، يعني المكان المرتفع المحفوف بالأشجار، وهو اسم مؤنث، لأن من علامات التأنيث في الأسماء الأمازيغية الريفية، أن يبدأ الاسم بالثاء المفتوحة، وينتهي بالثاء أو بالتاء الساكنتين، مثل ثَمْغاثْ (امرأة)، ثَفُنَسْتْ (بقرة)، الخ... وقد شاع هذا الاسم (تغزوت) في بلاد الأمازيغ، وما تزال كثير من القرى والمدن تحمل ذات الاسم إلى يومنا هذا، وخصوصا في المغرب والجزائر.

وتغزوت التي تعنينا في هذا الكتاب، هي قرية تقع بجماعة وردانة، اقليم الدريوش، تابعة لقبيلة بني وليشك وتعتبر الموطن الأصلي لآل العوفي المنحدرين من نسل سي محمد أمقران العوفي. سكانها قليلون، منهم من يشتغل في أعمال الفلاحة وتربية الماشية، التي كانت تعد قديما، المصدر الأساس لمعيشتهم. ومنهم من هاجر إلى أوربا بحثا عن تحسين أوضاعه الاقتصادية، ومنهم من نزح، لنفس الغاية، إلى المدن المجاورة، وبالأخص إلى مدينة الناظور، وتطوان، وطنجة؛ وتحيط بـتَغْزوت مجموعة من القرى، منها  إِكَرْدوعَنْ، وتِمَشْنينْ، والرُّبْضَثْ وغيرها؛ وهذه الأخيرة تنتمي إلى قبيلة  بني سعيد التي تقع ما بين قبيلة  بني  وْليشْك شرقا وبين البحر الأبيض المتوسط جنوبا، وبذلك لا تتوفر لا تغزوت ولا أي دوار من الدواوير السالفة الذكر على حدود مشتركة مع البحر.

مناظر تغزوت، ويبدو، في الأقصى، منزل الحاج سي محمد العوفي

أطلال منزل سي محمد أمقران العوفي بتغزوت،  مع جولة في ربوعها

المراكز التعليمية بتغزوت

أما عن المراكز التعليمية، فلم يكن في قرية تغزوت، عند بداية القرن الماضي، إلا مسجد صغير (ثمزيذا)، يستغل أيضا ككتاب قرآني، يقوم فيه "لفقيه بتحفيظ القرآن الكريم لأبناء القرية، وقد تتلمذ به كل أحفاد سي محمد أمقران (الجيل الثالث)، أغلبيتهم قضوا به زمنا طويلا، ولم يغادروه إلا بعد أن تمكنوا من استظهار، عن ظهر قلب، الستين حزبا من القرآن الكريم. وقد خضع المسجد في الآونة الأخيرة لإصلاح تم خلاله توسيعه وتأثيثه لكي يلبي حاجيات السكان.

 

وكان يوجد أمام المسجد دكان كان في عهده الزاهر عامرا، ودائم الرواج، ومفتوحا طوال النهار، يلبي الحاجيات الضرورية للسكان. وقد تناوب على العمل فيه بعض أبناء العمومة، الذين جعلوا منه شبه ناد يجتمع فيه الزبناء باستمرار لتزجية الوقت. أما اليوم فقد أصبح مهجورا في حالة يرثى لها.

مع بداية الخمسينات من القرن الماضي، استجابت السلطات الإسبانية المحتلة آنذاك لشمال المغرب، لمطلب سكان تغزوت ووردانة، الهادف إلى إنشاء مدرسة ابتدائية عصرية لأبنائهم. وكان آل العوفي وراء هذا المطلب، حيث قد تبناه ودافع عنه بقوة الشقيقان، الحاج سي محمد، وسي عبدالسلام العوفي، القاضيان بالمنطقةوللأمانة التاريخية، فإن الفضل الكبير يرجع إليهما في وجود هذه المدرسة، وفي اختيار المكان المتواجدة فيه الآن، المسمى "ثنوث" (جماعة وردانة)، في موقع يتوسط مداشر المنطقة، على الطريق الرابطة بين بنطيب والكبداني، وذلك لكي يتيسر لأبناء كل المداشر المجاورة، سواء المنتمية منها إلى قبيلة بني وليشك، أو إلى قبيلة بني سعيد، الالتحاق بها.

لقد تم افتتاح المدرسة في فاتح أكتوبر من الموسم الدراسي لسنة 1952-1953. وكانت عبارة عن حجرتين اثنتين للدراسة ومسكن للأستاذ الذي يتولى التدريس بها؛ وكانت الدراسة تلقن فيها، في بداية الأمر، باللغة الإسبانية فقط. وقد تتلمذ بها عدد كبير من أبناء سكان القبيلتين المذكورتين، الكثيرون منهم قد أصبحوا اليوم يحتلون مواقع هامة في دواليب الدولة وفي المهن الحرة. وفيما بعد، أطلق على المدرسة اسم مجموعة مدارس امحايست.

وكان لصاحب هذه السطور (مدير هذا الموقع) الشرف في أن يكون ضمن التلاميذ الأوائل الذين التحقوا بهذه المؤسسة في أول يوم تم  فيه افتتاحها، وكان ذلك صبيحة يوم الأربعاء، فاتح أكتوبر من سنة 1952. وما يزال يتذكر رقم (16)، الذي كان هو رقم ترتيبه في التسجيل. ذلك أن الأستاذ الإسباني آنذاك، دون أنطونيو (Don Antonio)، نظرا للصعوبة التي كان يجدها في النطق بأسماء التلاميذ، فقد كان يصر على استعمال أرقام التسجيل، عند المناداة عليهم، لا الأسماء، مما جعلنا، نحن التلاميذ، نستعمل أيضا هذه الأرقام فيما بيننا، باللغة الإسبانية طبعا، بدلا من أسمائنا. فمثلا، كنا ننادي على أحمد سي عبدالرحمن العوفي برقم (17)، لأنه كان هو رقم تسجيله، وعلى الحسن سي عبدالسلام العوفي برقم (18)، وعلى نجيب الحاج سي محمد العوفي برقم (40)، وهكذا...

 وفي أواخر القرن، بعد الاستقلال، بنيت بالقرية مدرسة ابتدائية عصرية، تابعة لمجموعة مدارس بني عبدالسلام. أقيمت بجوار منزل الحاج سي محمد العوفي، في أرض تابعة لذات المنزل، ويرجع الفضل في إنشائها إلى محمد سي عبدالسلام العوفي، النائب الأول لرئيس الجماعة القروية لوردانة آنذاك.