Jueves, 18 Julio 2019

الحسن سي عبدالسلام العوفي

من كتاب "آل العوفي"

الذائعو الصيت من آل العوفي المعاصرين

في المجال القضائي

 

من مواليد تغزوت، ازداد سنة 1948. هو إنسان برغماتي، يتعامل مع الواقع بذكاء، يعرف ما ذا يريد ويعرف كيف يصل إلى ما يريد؛ فحينما أحرز على شهادة الباكالوريا، لم يتردد في اختيار الكلية التي تصله إلى هدفه، فقصد على التو كلية الحقوق بالرباط، لأن هدفه ، بل أقول إن حلمه كان آنذاك هو أن يعمل في القضاء، لأن اباه وعمه وجده وأبا جده كلهم كانوا قضاة، وأن كثيرا من آل العوفي قد امتهنوا، منذ القديم، مهنة القضاء، أو وظيفة ما في الحقل القضائي، حتى أصبحت هذه المهنة لدى آل العوفي كإرث يجب أن ينتقل من جيل إلى آخر.

فمنذ اللحظة الأولى التي انخرط فيها في سلك القضاء، كنائب وكيل الملك بمدينة الشاون، جعل هدفه الأول هو النجاح والترقي، فتفرغ لعمله، ووهبه كل وقته، وزاوج بين العمل الميداني داخل قاعات المحاكم، وبين التكوين المستمر لتعميق معارفه القانونية وإثرائها بتجارب الدول الأخرى، فنال شهادات تضاف إلى الشهادات التي حصل عليها داخل الوطن، مما جعله يصنف ضمن أصحاب الكفاءات العالية في المجال القضائي، وأهله تكوينه هذا لكي يساهم، في الحقل القضائي، بأعماله الفكرية المنشورة في المنابر المختصة، والتي يتناول فيها مختلف القضايا التي تهم مجال القضاء المغربي، ويقدم الاقتراحات في اللقاءات والندوت التي كانت تعقد من أجل تحسين شؤونه، الشيء الذي جعله يتدرج في سلك القضاء، حتى أصبح وكيلا عاما للملك في كل من الناظور ومكناس، وأخيرا في الرباط التي استمر فيها إلى حين تقاعده.

ومن أبرز مقترحاته الرامية إلى إصلاح القضاء المغربي، تلك التي وجهها إلى وزير العدل، بتاريخ 16 أبريل 2009. التي تناول فيها المجالات التالية: الدستوري، التشريعي والتنظيمي، الموارد البشرية واللوجيستية، ولوج مهنة القضاء، تفتيش المحاكم، الإدارة القضائية، مصلحة كتابة الضبط، مساعدو القضاء والمهن المرتبطة به، التخليق والأمن القضائي، التحسيس والتوعية

ومن أبرز مقترحاته الرامية إلى إصلاح القضاء المغربي، تلك التي وجهها إلى وزير العدل، بتاريخ 16 أبريل 2009. وفيما يلي نصها الكامل

 

من الحسن العوفي، عضو المجلس الأعلى للقضاء

إلى سيادة وزير العدل (الديوان)

الموضوع: اقتراحات حول إصلاح القضاء

المرجع: صادركم عدد 202لادي بتاريخ 03ىأبريل 2009

 

تنفيذا للتعليمات السامية لعاهل البلاد، الرامية إلى الانكباب على بلورة مخطط مضبوط للإصلاح العميق للقضاء.

وتبعا لصادركم أعلاه، الرامي إلى موافاتكم بمقترحاتنا ومنظورنا حول الإصلاح القضائي المنشود.

يشرفني أن أوافي سيادتكم بما يلي:

من منظورنا الخاص، يمكن حصر أهم المرتكزات الأساسية والخطوك العريضة لإصلاح القضاء فيم يلي:

  1. المجال الدستوري
  2. المجال التشريعي والتنظيمي
  3. مجال الموارد البشرية واللوجيستية
  4. مجال ولوج مهنة القضاء
  5. مجال تفتيش المحاكم
  6. مجال الإدارة القضائية
  7. مجال مصلحة كتابة الضبط
  8. مجال مساعدي القضاء
  9. في مجال التخليق والأمن القضائي
  10. مجال التحسيس والتوعيية

أولا: المجال الدستوري

نقترح تعديلات دستورية لتأصيل مبدأ القضاء على النحو التالي:

  • اعتبار القضاء سلطة وليس جهازا أو هيئة.
  • دعم استقلالية المجلس الأعلى للقضاء على أساس أن ينوب، عن جلالة الملك، الرئيس الأول للمجلس الأعلى.

ثانيا: المجال التشريعي والتنظيمي

نقترح مراجعة النصوص التشريعية المتعلقة بالنظام الأساسي لرجال القضاء وفق ما يلي:

  • إسناد صلاحية انتداب القضاة، وتوقيفهم عن العمل في حالة ارتكابهم لمخالفات خطيرة، للرئيس الأول للمجلس الأعلى، بعد استشارة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء.
  • إعادة النظر في انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وتكوينه، على أن يراعى في تشكيله التمثيل الجهوي للقضاة، مع الاستئناس بتجربة مجلس القضاء المصري، واسبعاد نظرية تمثيل المجتمع المدني في الوقت الحالي.
  • إصدار قانون تنظيمي يحدد مهام المجلس الأعلى للقضاء، وطريقة عمله، وانتخاب أعضائه، وتحديد معايير دقيقة لترقية القضاة، وإسناد المسؤوليات وتاديبهم.
  • جعل أمانة المجلس الأعلى للقضاء تحت إشراف الرئيس الأول للمجلس الأعلى.
  • تخصيص مقر خاص للمجلس الأعلى للقضاء.
  • تخصيص ميزانية مستقلة للمجلس الأعلى للقضاء على غرار ما هم معمول به بالنسبة لمجالس مماثلة (المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الدستوري).
  • إسناد مراقبة أعمال النيابة العامة بالمحاكم للوكيل العام للملك بالمجلس الأعلى.
  • إسناد الإشراف على المحاكم بمختلف درجاتها، والسهر على حسن العمل بها للرئيس الأول للمجلس الأعلى.
  • إلغاء المحكمة العسكرية ومحاكم الجماعات والمقاطعات.
  • توحيد القضاء وخلق غرف متخصصة داخل المحاكم الابتدائية والاستئنافية، بعد إلغاء المحاكم الإدارية والتجارية.
  • تقليص حالات الإحالة على التحقيق، وتوسيع اختصاص النيابة العامة باستنطاق المتهمين بعد البحث التمهيدي، وتحرير محاضر مفصلة قبل الإحالة على المحكمة في حالة سراح أو اعتقال.

ثالثا: مجال الموارد البشرية واللوجيستية

  • الرفع من الميزانية المخصصة لقطاع العدل بصفة عامة.
  • رصد ميزانية للتجهيز والتسيير لكل محكمة استئناف، يكون رئيسها الأول والوكيل العام للملك بصفتهما آمرين بالصرف.
  • الزيادة في عدد القضاة والموظفين والأطر التقنية بالمحاكم، بشكل يناسب معدل القضايا المسجلة سنويا في كل محكمة، وأهميتها.
  • توفير البنايات الكافية والمناسبة للمحاكم، تليق بهيبة القضاء وقدسيته.

رابعا: مجال ولوج مهنة القضاء

نقترح في هذا المجال مايلي:

  • اشتراط دبلوم الدراسات العليا المعمقة لولوج سلك القضاء، ولا يمارس القضاء الجالس من لم يبلغ 30 سنة، مع السماح لمن يقل عمرهم عن 40 سنة بالمشاركة في مباراة الملحقين القضائيين.
  • أن يتولى المجلس الأعلى للقضاء كل ما يهم ولوج مهنة القضاء، سواء من حيث تنظيم المباراة، أو تحديد شروط الانتقاء الأولي للمرشحين قبل إجرائها، أو الإعلان عن نتائجها.
  • ضرورة خضوع المرشح لمقابلة في الامتحان الشفوي، من أجل التأكد من سلامة شخصيته ومؤهلاته.
  • إعادة النظر في مناهج التكوين بالمعهد العالي للقضاء، وذلك بالتركيز على المواد العملية والتطبيقية الصرفة، كتقنية تحرير الأحكام والتعليق عليها، والبحث عن النصوص التشريعية والاجتهادات القضائية، فضلا عن التكوين في اللغات الأجنبية والإعلاميات...
  • اعتماد نظام التخصص للقضاة.
  • توسيع مجال التكوين ليشمل التداريب بالدول الأجنبية التي تأخذ بنظام القضاء المماثل.
  • تشجيع القضاة على تبادل المعلومات والوثائق بواسطة الانترنيت، سواء فيما بينهم أو مع المتعاملين مع هيئة القضاء، من محامين وإدارات الخ...

خامسا: مجال تفتيش المحاكم

من أجل مساهمة التفتيش في إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته، نقترح ما يلي:

  • إلحاق جهاز التفتيش بمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء، وحصر مهامه في الأمور التي من شأنها المساس باستقلال القضاء والحصانة الذاتية للقاضي، وألا يتعدى ذلك إلى مناقشة الأحكام والقرارات التي هي من اختصاص محكمة الطعن.
  • إسناد التفتيش لأطر قضائية كفأة، ذات تجربة وحنكة وتمرس في العمل القضائي.
  • تفعيل الدور الذي يقوم به الرؤساء الأولون، والوكلاء العامون، في إطار التفتيش التسلسلي، وذلك بأخذ التقارير التي ينجزونها بعين الاعتبار، عند تقديمهم لملاحظات تتعلق بسير العمل بالمحاكم، إيجابيا أو سلبيا، مع توفير الإمكانات اللازمة لهم للإضطلاع بمهامهم.

سادسا: مجال الإدارة القضائية

من أجل إدارة قضائية جيدة، تساهم بقدر كبير في تأهيل العدالة وتعزيز استقلالها، نقترح ما يلي:

  • إعادة النظر في الخريطة القضائية للمملكة، وذلك بتقليص عدد محاكم الاستئناف، وحصر عددها عل مستوى الجهات، مع إمكانية عقد جلسات تنقلية.
  • دعم الإدارة القضائية للمسؤولين، وذلك بإحداث منصب للكاتب العام على مستوى كل محكمة استئنافية، تسند إليه مهام التدبير الإداري تحت إشراف الرئيس الأول للمحكمة أو الوكيل العام للملك، كل فيما يخصه.
  • إسناد انتداب القضاة داخل الدائرة القضائية للرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف، والوكلاء العامين للملك بها، كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
  • العمل على خلق نظام لتقييم جودة الأحكام، بناء على إلغاء أو نقض هذه الأحكام من المحكمة الأعلى درجة وتعميم نتائجه على المحاكم لتوحيد العمل والاجتهاد القضائي.
  • اعتماد نظام القضاء الفردي بالمحاكم الابتدائية، والاقتصارعلى القضاء الجماعي في الجنايات التي ينبغي إرجاع  الاختصاص فيها ـ ابتدائيا ـ للمحاكم الابتدائية.
  • تفعيل نظام الوساطة والتحكيم والتأكيد على إجباية مسطرة الصلح في جميع القضايا.
  • اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل الحد من الدعاوي الكيدية والتعسفية، وذلك بفرض غرامات مالية مرتفعة كجزاء للدعاوي الكيدية، يستوفى لفائدة صندوق المساعدة القضائية.
  • وضع آجال قصوى للبث في الدعاوي بحسب طبيعتها (مدنية، عقارية، اجتماعية، الخ...)، مع ترتيب آثار على ذلك.

وفيما يخص المجلس الأعلى، اعتماد نظام دائرة فحص الطعون المعمول بها لدى القضاء الفرنسي لاستبعاد الطعون غير الجادة، والتي يظهر فيها عدم القبول واضحا، للتخفيف من القضايا المعروضة على أنظار المجلس، تفعيلا لمقتضيات الفصل 363 من م.ج.م.

سابعا: مجال جهاز كتابة الضبط

إن إصلاح القضاء رهين بإصلاح جهاز كتابة الضبط. وفي اعتقادنا، يجب الانكباب على وضع خطة محكمة وسريعة، تتجه نحو إصلاح معقلن لهذا الجهاز، ونقترح:

  • اعتماد معاييرالكفاءات في اختيار الموظفين، مع مراعاة التخصص، وذلك بتوظيف ذوي المؤهلات التقنية من مهندسين ومعلوماتيين وغيرهم...
  • اعتماد معايير محددة ودقيقة في اختيار رؤساء كتابة الضبط، منها خصوصا النزاهة والكفاءة والتجربة والقدرة على التأطير، مع اعتماد مسؤول واحد عن كتابة الضبط بكل محكمة، للإشراف على موظفي الرئاسة والنيابة.
  • ضرورة خضوع الموظفين الجدد لتكوين أساسي بالمعهد العالي للقضاء، ولتدريبات عملية وميدانية بالمحاكم، قبل خوض غمار العمل بمختلف المؤسسات القضائية، مع إجبارية التكوين المستمر.
  • الرفع من رواتب الموظفين، وتمكينهم من مكافآت مالية، تشجيعية وتحفيزية على المردودية.
  • إحداث قانون خاص بكتابة الضبط، يأخذ بعين الاعتبار المكانة المتميزة لهؤلاء، والدور الحيوي الذي يقومون به خدمة للجهاز القضائي.

ثامنا: مجال مساعدي القضاء

إن الإصلاح الشمولي للقضاء رهين بإصلاح المهن والوظائف المرتبطة به، والمؤثرة فيه سلبا وإيجابا، ولهذه الغاية نقترح:

  • جعل الشرطة القضائية تابعة إداريا لسلطة النيابة العامة، كما هي تابعة لها قضائيا، وإلحاق مقرها ببناية محكمة الاستئناف.
  • جعل التكوين الأساسي والمستمر لضباط الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة برئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف.
  • التعجيل بإصدار القانون التنظيمي المحدث للمعاهد الجهوية لتكوين المحامين.
  • تفعيل نظام التخصص لمحامين وإلزامهم بنشر هذا التخصص في محرراتهم وعناوينهم، كما هو الشأن بالنسبة للأطباء.
  • إيجاد الآليات القانونية لصرف أتعاب المحامين في إطار المساعدة القضائية.
  • تتبع ومراقبة الخبراء، ومتابعتهم أمام لجان جهوية يرأسها الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف.
  • وضع معايير موضوعية لتحديد أتعاب الخبراء.
  • تحديد غرامات عن التأخر في إنجاز الخبرة، تستخلص لفائدة صندوق المساعدة القضائية.
  • جعل المسطرة التأديبية المقررة قانونيا، الجارية في حق الخبراء والتراجمة والموثقين والعدول، أكثر فعالية ونجاعة، وذلك عن طريق إعادة النظر في القوانين المنظمة لهذه المهن.
  • إعادة النظر في القانون المنظم لمهنة المفوضين القضائيين، بهدف تشديد المراقبة على أنشطتهم، وتحديد سؤولياتهم، وتوسيع نشاطهم بالمجال القروي، إلى جانب المجال الحضؤي. وبصفة متوازية، يتعين إصلاح منظومة تبليغ الطيات القضائية، وذلك بجعله يتم إلزاميا من قبل المفوض القضائي، وليس اختياريا كما هو عليه الحال الآن. مع إعطائه الإمكانية للتعامل مع زبونه مباشرة، ليعمل على تبليغ الأطراف للجلسة التي تحددها له كتابة ضبط المحكمة المعنية.

تاسعا: في مجال التخليق والأمن القضائي

إن النزاهة من المبادئ والقيم التي يجب أن يتحلى بها القاضي، فهي الضامنة لستقلاله واستقلال القضاء، وبدونهما لا يمكن الحديث عن أي إصلاح للقضاء. إن نزاهة القاضي هي التي تعمل على تحصينه من الخضوع للتأثيرات والتدخلات والإغراءات كيفما كان نوعها وحجمها، مما يجعل المتقاضين مطمئنين على حقوقهم، وهذا الاطمئنان مرده إلى الثقة التي يضعها الناس في القضاء، والتي تساهم بقدر كبير في تحقيق الأمن القضائي، واستتباب السلم الاجتماعي، كما تؤدي إلى الاستقرار والتحفيز على الاستثمار، وبالتالي الوصول بالبلد إلى مدارج الرقي والنمو الاقتصادي والاجتماعي.

 ولضمان ثقة المتقاضين في عدالتهم، نقترح ما يلي:

  • تحسين الوضعية المادية والاجتماعية للقضاة وأطر كتابة الضبط.
  • إعداد مدونة للسلوك خاصة بالقضاة.
  • تفعيل دور التمثيليات المهنية (الودادية الحسنية للقضاة، وجمعية هيآت المحامين بالمغرب، ورابطة العدول، وهيئة الموثقين، وجمعية المفوضين القضائيين...) في مجالات التخليق، ونشر الثقافة القانونية.
  • راعة الأنظمة الخاصة بمساعدي القضاء على نحو يحقق المصداقية والشفافية.

عاشرا: مجال التحسيس والتوعية

إن ورش إصلاح القضاء لا يهم فئة القضاة فقط، بل إنه ورش يهم الكافة.. وعلى الجميع المساهمة فيه بقدر كبير من الإرادة والعزيمة، وبالتالي فإن الإصلاح المأمول ليس إصلاحا فئويا.

إن الحاجة تدعو إلى قيام الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والفعاليات الحقوقية بتوعية وتحسيس المواطنين بدورهم الفعال في هذا الإطار، ويجب على القضاء أن يمارس دوره بانفتاحه على المجتمع، وذلك بتكليف أحد القضاة بمهمة التواصل مع وسائل الإعلام، يتم اختياره من طرف الجمعية العمومية.

نؤكد في الأخيرعلى أن للعدالة عدة روافد، وأن تأهيلها يقتضي بالضرورة تأهيل كل القطاعات ذات الصلة بها، من تعليم، وصحة، وشرطة، ودرك، وجمارك... ولا يمكن تصورنجاح هذا الإصلاح بدون تفاعل باقي القطاعات مع هذا الاختيار الذي لا محيد عنه، ولا مناص من التمسك به بكل جدية وحزم.

أسأل الله أن يهيئ لكم سبل النجاح والتوفيق والسداد في مهمتكم الجسيمة، لتعزيز وتحصين استقلال القضاء، وتحديثه وتأهيله للنهوض بدوره كدعامة لدولة الحق والقانون، وكدرع للأمن القضائي الضامن لسيادة القانون، وتكريس حقوق الإنسان، تحت القيادة الرشيدة للقاضي الأول، صاحب الجلالة والمهابة، الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

وتقبلوا، سيدي الوزير، فائق عبارات التقدير والاحترام.

الحسن العوفي ـ عضو المجلس الأعلى للقضاء

 

هذا، واحتفاء بالذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، تم تنظيم سلسلة من الندوات الجهوية، منها الندوة السادسة المنعقدة بالرباط يومي 10 و 11 ماي 2007، لدراسة موضوع "المنازعات الانتخابية والجبائية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى"، والتي شارك فيها الحسن العوفي بالمداخلة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

يسرني بالغ السرورأن أتقدم بأسمى عبارات الشكر والامتنان لحضوكم الكريم في إطار مواصلة سلسلة الندوات الجهوية، المقرر عقدها طيلة سنة 2007، احتفاء  بالذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى.

حضرات السادة والسيدات

وإنها لمناسبة غالية، تتشرف الدائرة القضائية بمحكمة الاستئناف بالرباط، ونظيرتها بالقنيطرة، بتنظيم هذا اللقاء العلمي المبارك، على غرار باقي جهات المملكة. كما أن هذه المناسبة تشكل فرصة حقيقية لتجسيد أواصر التعاون بين كل العناصر الفاعلة في مجال القضاء، للوقوف على ما تحقق من إنجازات مشرفة علميا وعمليا.

مما لا يخفى على علمكم، إن المجلس الأعلى، كأعلى مؤسسة قضائية في المغرب، حرص منذ إنشائه وطيلة خمسين سنة مضت  على إغناء العمل القضائي، وتشجيع الإنتاج القانوني، مما أسهم بشكل محمود في تحسين وتأطير أداء المحاكم، ، وإذكاء روح الإبداع والاجتهاد القضائي، وذلك من خلال تفعيل دوره الضابط للسياسة  القضائية للمملكة، بشكل يتماشى والرغبة في ترسيخ  دولة القانون، واحترام مبدأ الشرعية، استنادا إلى الأرضية التي عبدها الملك الحسن الثاني ـ طيب الله ثراه ـ  في النطق الملكي الكريم يوم 8 ماي 1990، حين قال:

"لا يمكن لهذه البلاد أن تكون دولة قانون إلا إذا جعلنا لكل مغربي الوسيلة لكي يدافع عن حقوقه كيفما كان خصمه"

حضرات السادة والسيدات

إن القضاء الإداري، باعتباره الإطار الجامع للقواعد القانونية الضابطة للعلاقة بين الإدارة والمواطن في مختلف النزاعات الطارئة بينهما، والمتعلقة بحق من الحقوق أو بحرية من الحريات؛ تعدى حدود القضاء التطبيقي، واستشرف  مجال نظيره الإنشائي، مما أسس لخصوصية من خلال تفعيل آليات خلق وتأصيل الحلول المناسبة، لضبط  العلاقة القانونية الناشئة بين المرفق العام والأفراد. وعملية الاستشراف هاته ما فتئت تستمد جوهر موضوعها من فلسفة الفكر الحسني الي يعتبر أن المغرب:

"لا يعيش منعزلا عن العالم، بل يعيش ويريد أن يعيش في جو يطبعه أولا التعامل مع العالم، وثانيا الانفتاح عن العالم، وثالثا إثراء العالم، ورابعا التعلم من العالم... وأنه إذا أراد أن ينفتح على العالم يجب كذلك أن يكون قضاؤه منفتحا، وفي مستوى قضاء العالم".

وكما هو معلوم، فإن الانفتاح على العالم، يستدعي ضبط آلية التأثير والنأثر به، من خلال استكمال البناء السياسي والمالي للدولة، وذلك بتقوية صرحها الديموقراطي، وتعبئة مواردها الجبائية.

وفي هذا الصدد، تشكل الانتخابات الآلية القانونية للتأطير الديموقراطي.. ووعيا بخصوصية هذه الآلية في ضبط المنظومة السياسية، حرص المشرع على إحاطة الممارسة الانتخابية بسياج من الضوابط القانونية، ضمانا لتشكيل مؤسسات تمثيلية تعكس الإرادة الحقيقية للناخب، وعمل القضاء على ضمان الحماية اللازمة للحفاظ على سلامة الانتخاب، وتكريس مبدأ حق المشاركة السياسية للمواطن؛ فاعتبر القضاء الإداري أن مجرد الخرق المادي للتشريع الانتخابي لا ينهض وحده كعامل حاسم في إلغاء العملية الانتخابية، بل عمل على البحث في مدى تأثير المخالفة القانونية على نتيجة الاقتراع، ولم يعمد إلى إلغاء الانتخاب إلا إذا كان هذا الخرق، على افتراض ثبوته، له تأثير كاف، إن لم يكن في إفساد العملية الانتخابية، فعلى الأقل في تغيير نتيجة الاقتراع، ما لم يتعلق الأمر بمسائل جوهرية، لها مساس بقواعد النظام العام.

وارتباطا بمبدأ الحماية القانونية لإرادة الناخب في تشكيل المؤسسة التمثيلية، عمل القضاء الإداري، كذلك، على ضمان الحماية القانونية للملزم بالضريبة، من خلال وضع أسس المنازعة الجبائية، التي ظهرت في الأنظمة الليبرالية بشكل مواز لتنامي تدخل الإدارة في ضبط وتنظيم المرافق العامة الالية والتجارية، وذلك عن طريق خلق تصور قضائي لتحقيق التوازن بين حماية المال العام وفرض احترام مبدأ الشرعية الضريبية، هذا التوازن الذي يجب أخذه بعين الاعتبار يعمل على تقوية الآليات القانونية خدمة لتحصيل الديون العمومية، وتحصين الوضعية القانونية للملزم.

ومما لا شك فيه، أن صلاحيات القضاء الانتخابي والجبائي، تندرج في إطار تفعيل الإرادة الملكية السامية الواردة في خطاب 3 مارس 1991، الذي أكد فيه الملك الحسن الثاني ـ طيب الله ثره ـ ما يلي:

"أصدرنا تعليماتنا لجعل الإجراءات التي تعمل على أساسها هذه المحاكم مبسطة، وغير مكلفة، حتى تمكن رعايانا من اللجوء إلى القضاء كلما كانوا عرضة للشطط من طرف السلطة الإدارية، أو لحقت بهم أضرار من من جراء الإدارة التي أقيمت لخدمتهم"

حضرات السادة والسيدات

لقد استوعبت محاور هذه الندوة منهجية القضاء الإداري فى محاكمة مشروعية المنازعات الانتختبية والجبائية، وهو ما يشكل نقلة نوعية تضاف إلى ما أثمرته من إنجازات خلال الندوات السابقة، والتي عملت على إبراز كفاءاتها القضائية من خلال المشاركة الإيجابية والبناءة للسادة المشاركين، قضاة ومحامين وأساتذة ومتخصصين..

             وأغتنم هذه الفرصة، للتوجه بالشكر الجزيل لكم جميعا على تفضلكم بتلبية الدعوة، كما أتوجه بالشكر لجميع المتدخلين الذين استجابوا للإسهام بعطائهم العلمي والعملي لتحقيق ما ينشده الجميع من نجاح لجهازنا القضائي، ورفعه إلى مستوى آمال القاضي الأول، جلالة الملك محمد السادس، أدام الله عزه ونصره.

            وفقنا الله جميعا لخدمة الصالح العام، وأعاننا على بلوغ المرام، وجعلنا عند حسن ظن مولانا الإمام.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ويجب أن أشير في الأخير، إلى أن إحالته على التقاعد لم يؤثر كثيرا على ديناميكيته المعروف بها، ولم يستطع أن يبعده عن الميدان الذي يعشقه، ذلك لأن حبه للمهنة، وشغفه بالعمل في قاعات المحاكم، وإحساسه بأن عطاءه لم ينضب بعد، جعله ينزع عنه بدلة الوكيل العام ذات اللون الأخضر، ويلبس بدلة المحامي ذات اللون الأسود، مستبدلا مكتبه في المحكمة بمكتب المحاماة.. هذا التحول الهام يحسب له، لأنه قد أصبح  بذلك أول محام يمتهن هذه المهنة في تاريخ عائلة آل العوفي.